بحث عن الامتداد المعماري والانشائي لقبة ايا صوفيا

بحث عن الامتداد المعماري والانشائي لقبة ايا صوفيا

بحث عن الامتداد المعماري والانشائي لقبة ايا صوفيا، يتطرق بحث موقع مبتغى إلى كل ما يتعلق في قبة آيا صوفيا بشكل مفصل، وذلك نظرًا لأهميتها ولبراعة تصميمها، كما يتناول البحث المراحل التي مرت بها القبة وتفاصيلها وتجديداتها وآخر ما رست عليه، ويناقش آراء من أبهرته آيا صوفيا حتى بات يكتب عنها من شعراء ومؤرخون ونقاد، ويحتوي هذا البحث على عدد من المساجد القديمة والحديثة التي تأثرت بقبة آيا صوفيا وطريقة انشائها، فاتَّبعوا نفس النمط في بناء قباب هذه المساجد.

مقدمة بحث عن الامتداد المعماري والانشائي لقبة ايا صوفيا

آيا صوفيا لاسمها رهبة روحانية قبل أن تكون علمية، إن مرّ هذا الاسم أمام قارئ أو عالم، أو حتى لمن يقلب في أوراق صحيفة، ستدفعه رغبة مُلحة لمعرفة ما وراء هذه الأحرف، وقد كان ذلك هو السبب والدافع الأقوى لاختيار بحثًا يتحدث عن هذا الصرح العظيم، وإنَّ أجمل ما يميّز آيا صوفيا هو أنَّها كانت كنيسةً ومسجدًا ومتحفًا في آن واحد، وهي نتاج أعظم الحضارات وهي الحضارة البيزنطية، تلك العمارة العظيمة التي خلدت تاريخها بمبانيها العملاقة، وأقدم وصف عربيّ لهذه الكنيسة جاء به أبو عبد اللّه بن محمّد المعروف بابن بطوطة (1304 – 1378م) في رحلته المسماة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، إذ اعتبرها من أعظم كنائس الروم.

بحث عن الامتداد المعماري والانشائي لقبة ايا صوفيا

نظرة تاريخية على كنيسة آيا صوفيا

كنيسة القديسة صوفيا الأولى والتي عُرفت باسم الكنيسة العظيمة، بناها إما قسطنطين Constantine أو قسطنطيوس الثاني Constantiusll، وبُنيت عام 360 م وكانت عبارة عن بازليكا مسقوفة بالخشب، وأُحرقت عام 404 م ثمّ بنيت كنيسة ثانية سنة 415 م، ودُمرت أيضًا بحريق في كانون الثاني من سنة 532 م، وذلك أعطى الإمبراطور الروماني جستينيان الفرصة التي كان ينتظرها ليدخل بإنجازه هذا العالم من أوسع أبوابه، فحالما أُزيلت الأنقاض بدأ بالبناء من جديد، إذ كلّف جستينيان المهندسان أنثيميس Anthemius، وايسيدور Isidore بتصميمها، وتم اختيارهما لأنهما دمجا الخبرة العملية والمستوى الرفيع من المعرفة النظرية، وإن كنّا لا نعرف عن أي بناء آخر قاما بإنجازه.

التفاصيل المعمارية والتاريخية والإنشائية التي مرت بها القبة

بناء القبة

إن المشكلة الأساسية في كنيسة القديسة صوفيا تكمن في مقاييسها، فعلى الرغم من امتلاك المهندسين البيزنطيين لخبرة طويلة في بناء القباب، إلّا أنَّ قبة بقطر 100 قدم وغير مرتكزة على جدران مصمتة وإنما معلقة في الهواء كان إنجازًا لم يتحقق قبل ذلك، ومن الإنصاف القول أن أي مهندس آنذاك كان بإمكانه أن يحسب تقريبًا الضغط الذي ستولده قبة حجرية بذلك الحجم، وقد أدرك أنثيميس وايسيدور أهمية الدقة في العمل، ولقد بدأت الصعوبات تظهر عند وصول البناء إلى نقطة الانطلاق للأعلى والوصول للقبة، وخاصةً الأقواس الرأسية التي ستحملها، فأثناء بناء القوس الشرقيّ بدأت الدعامات التي يُرتكز عليها تنجرف للخارج، وهي تميل اليوم عن الاتجاه العمودي 23.5 إنش، وقد عرض المهندسان المسألة على جستينيان الذي قام وبثقة بتوجيههما لإتمام بناء القوس حتى يتماسك بنفسه عند اكتماله.

الأقواس الداخلية

أما القوسان الشمالي والجنوبي فقد خلقا مشكلة مختلفة، فبينما كانا لا يزالان رطبين ولدَا ضغطًا هائلًا على الحوائط التي تقع تحتهما حتى أن الأعمدة في نوافذ لوحة الجبهة Tympanyum أو تلك التي في الشرفة بدأت تتشقق، ومرة أخرى تدخل الإمبراطور ووجه المهندسين لإزالة الحوائط تحت الأقواس حتى تجف الأقواس.

الأقواس الداخلية

قاعدة القبة

بدأت الكنيسة تتشوّه أثناء بنائها، فعند الوصول إلى قاعدة القبة، ازدادت المساحة التي ينبغي سقفها على المساحة المحسوبة، عدا عن ذلك كانت المشكلة الأعظم هي كيفية تركيب قبة على قاعدة مربعة، وهكذا أراد جستينيان، فلم يشأ أن تكون قبة تقليدية، وكان ما أراد، وتغلب المهندسان على هذه المشكلة باستخدام الدلايات المثلثية Pendentives، وهي عبارة عن مثلثات منحنية توضع في الأركان عند تركيب قبة دائرية على قاعدة مربعة الشكل، وقد وفرّت القبة إضاءة قوية داخل الكنيسة، وهي إضاءة حسبما يصفها بروكوبيوس وهو أحد المؤرخين بأنَّها لا تبدو وكأنها قادمة من الخارج بل كأنها تنبعث من الداخل.

قاعدة القبةقاعدة قبة

انهيار القبة وإعادة البناء

سبب انهيار القبة

استنادًا إلى ما جاء في المصادر يمكن القول أنَّ قبة أنثيميس الأصلية كانت منخفضة بحوالي 20 قدمًا عن القبة الحالية، وبينما صُممت لتكون دائرة مكتملة فقد بُنيت فعليًا إهليجية، وأعرض بحوالي 6 أقدام من الشمال إلى الجنوب عنها من الشرق إلى الغرب، وذلك بسبب الانحراف في الجدران الجانبية، وعلينا أن نأخذ ذلك بعين الاعتبار عندما نريد أن نتصور التأثير الكلي للبناء. وتشبه القبة الأولى القبة الحالية في كونها ذات أضلاع وعند قاعدتها ممر ضيق، وصمدت القبة الأولى أربعين سنة فقط، لتتشقق بتأثير سلسلة من الهزات الأرضية التي ضربت القسطنطينية بين السنوات (553م–557م) حتى انهارت سنة (558م)، وتجدُر الإشارة إلى أنَّ فشل القبة الأولى كان أيضًا بسبب عدم كفاية الدعامات الجانبية، وذلك النقص فيها ربما لُوحظ مع تقدم العمل وذلك حوالي (532م–537م)، ثمّ رُفعت الأكتاف الخارجية الأربعة الضخمة إلى مستوى قاعدة القبة تقريبًا.

تصميم القبة الجديدة بدل المنهارة

بعد انهيار القبة سنة (558م) تم استدعاء مجموعة من الخبراء بمن فيهم إيسيدور الأصغر والذي قام بإنجاز أعمال على الجبهة الشرقية، وقد كان وقتها كان مهندسا الكنيسة قد توفيا، وبناءً على توصيات الخبراء تم توسيع القوسين الشمالي والجنوبي من منحنى القوس وحتى أعلى نقطة في القوس، وذلك حتى تكون المساحة المركزية أقرب إلى شكل المربع، وعلى تلك القاعدة المتضائلة تم بناء قبة أكثر انحدارًا، وتلك القبة هي التي لا تزال قائمة اليوم.

ترميمات القبة الجديدة

لقد انهارت أجزاء من القبة وتم إعادة بنائها في العصور اللاحقة ولكن الترميم لم يغير من تصميم إيسيدور الأصغر بشكل جذري، وإذا أخذنا بعين الاعتبار التقلبات التي مرت بالكنيسة عبر 14 قرنًا من تاريخها فإن وضعها الحالي يعتبر أعجوبة، ولا شك أن الاحترام الذي أبداه الاتراك تجاه هذا الصرح والتصليحات الدورية التي أجروها (اّخر التصليحات الكبرى تمت بين 1847م – 1849م) بإشراف المهندسين السويسريين جسبار وجوسيب فوساتي Gaspare , Giuseppe Fossati قد ساهمت في الحفاظ على البناء.

نظرة على الأعمدة الحاملة للقبة

الأعمدة التي حملت القبة

الأعمدة الثمانية في الحنايا ذات أحجام مختلفة، وأعيد تشكيلها لتصبح بالارتفاع نفسه، فقد عمد البناؤون إلى استخدام قواعد ذات ارتفاعات مختلفة وتتكون من قطعة وقاعدة.

الأعمدة التي حملت القبةالأعمدة التي حملت القبة

تيجان الأعمدة

إنَّ التيجان تشكل مجموعات متشابهة، والطرز الرئيسية لها تيجان ثقيلة نوعًا ما وذات لفائف وهي مغطاة بزخرفة ورقة الأكانثس، بينما في الشرفات فإن الأعمدة التي لا تطل على الرواق الأوسط لها تيجان متأثرة بالأيونية.

اعتبار الرحالة ايا صوفيا بناء قوطي

إنّ عدم الانتظام في ارتفاع الأعمدة الرخامية ليس إلا مثالًا بسيطًا على إهمال المعايير الكلاسيكية، وقد عمَّت تلك الظاهرة كنيسة القديسة صوفيا، وفي ترتيب صفوف الأعمدة في الرواق الأوسط نرى أن ستة أعمدة في الشرفة اعتلت أربعة أعمدة في الطابق الأرضي، وفي الحنايا الجانبية نرى كذلك أن ستة أعمدة اعتلت عمودين، ممّا يؤدي بالتالي إلى عدم تماشي المساحات بين الأعمدة في الأعلى مع تلك التي في الطابق السفلي، وحتى من وجهة نظر إنشائية فإن ذلك غير اّمن، فهناك كثير من التباين والارتجال حتى في مواقع الأبواب والأقواس المستعرضة، وأحيانًا عدم الانتظام فيما يتعلق بالخطوط العريضة للتصميم العام يعطي للبناء إحساسًا بالحياة، ولكن البناء يبقى بالمقابل محبطًا للمشاهد ذي الذوق الكلاسيكي، وبإمكاننا أن نتفهم عدم رضى رحالة القرنين الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر والذين وجدوا الكنيسة بناءً قوطيًا.

آراء مؤرخون وشعراء وكتاب

  • ردة فعل نموذجية لرفيق اللورد بيرون Byron هوبهوز Hobhouse  الذي يقول : “أرى مهارة المئة مهندس وعمل العشرة اّلاف عامل وثراء الإمبراطورية وبراعة المشرفين قد أقامت بناءً فخمًا معتدل الجودة، وهي حالة ميَزت إنتاج القرن السادس عن النماذج المثالية لعصر أكثر سعادة”.
  • بينما قدمت الحركة الرومانسية شعوراً مختلفًا، فبعد هوبهوز بخمسين عامًا يقول ثيوفيل جوتير Theophile Gautier  بأن كنيسة القديسة صوفيا أجمل كنيسة راّها.
  • كما كتب فيها شاعر النيل أبيات من الشعر قائلا :

أيا صوفيا حان التفـرق فاذكـري   عهود كرام فيك صلَّـوا وسلمـوا

إذا عُدتِ يومـا للصليـب وأهلـه   وحلّى نواحيـك المسيـح ومريـم

ودُقّـت نواقيـسً وقـام مـزمـر   من الـروم فـي محرابـه يترنّـم

فلا تنكـري عهـد المـآذن إنـه   على الله من عهد النواقيس أكـرم

أثر قبة آيا صوفيا على المساجد القديمة والحديثة

مسجد السليمانية في تركيا

يبلغ قطر القبة الرئيسيّة بالمسجد 26.5 مترًا، وارتفاعها 53 مترًا، وهي أكثر قباب مساجد إسطنبول ارتفاعًا بعد قبة آيا صوفيا، وترتكز القبة على أربع دعامات ضخمة، وتتميز القبة أيضًا بزخارفها الخزفية وارتفاعها الشاهق.

مسجد السلطان أحمد

يبلغ قطر القبة الرئيسيّة بالمسجد 23.5 مترًا ،وارتفاعها 43 مترًا، ويحيط بها أربعة أنصاف قبة، كما أنَّها ترتكز على أربع دعائم أسطوانية الشكل، ويبلغ قطر الواحدة منها 5 أمتار، ويطلق عليها اسم أرجل الفيل، وهي مُزيّنة بالزخارف المدهونة باللون الأزرق من الداخل.

مسجد شاه زاده في تركيا

يبلغ قطر القبة الرئيسيّة بالمسجد 19 مترًا، وارتفاعها 37 مترًا، وللتخفيف من جمود كتلة البناء من الخارج، غُطيت قمة دعائم القباب الأربعة الخارجية بقباب مضلعة على هيئة أبراج.

خاتمة بحث عن الامتداد المعماري والانشائي لقبة ايا صوفيا

ربما ظهرت كنيسة القديسة صوفيا لمعاصري جستينيان أمرًا جنونيًا، أما للأجيال اللاحقة فقد أصبحت أسطورة ورمزًا، ولم يبن أي بناء لاحق ولو حتى بنصف حجمها في الدولة البيزنطية، فالكنيسة تقف كمقياس للتقهقر التقني والمالي الذي سيلي في العصور اللاحقة، حتى أنَّ بناءها قد اعتبر معجزة، فمن الصعب أن نتصور كيف تمّ تنظيم العمال والموارد التي جندت للمشروع، وذلك في 5 سنوات.

وإلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام بحث عن الامتداد المعماري والانشائي لقبة ايا صوفيا، والذي تناول كافة التفاصيل المتعلقة بهذا الصرح المعماريّ العظيم، والذي يُعدّ لغاية هذه اللحظة من أجمل التحف المعماريَّة البيزنطيَّة.

المراجع

  • – مجلة تراث الإماراتية – عدد 132 – سبتمبر 2010 – ص (52-57)
  • العمارة البيزنطية ” History of world architecture : Byzantine مانجو – سيريل .
  • دار مشرق – مغرب للخدمات الثقافية , دمشق : 1999
  • الموقع الإلكتروني الرسمي لمتحف آيا صوفيا .
  • أ.د سيد علي إسماعيل – اّيا صوفيا الكنيسة المسجد المتحف .
  • مجلة العربي- العدد 631 – 2011/6 – تاريخ و اشخاص و تراث خالد عزب
  • مقال للاستاذ الكاتب نظام الدين ابراهيم اوغلو
  • جريدة الدستور الاردنية الثلاثاء، 22 يوليو / يوليه/تموز، 2014
  • جريدة الشرق الأوسط السعودية الجمعـة 20 محـرم 1433 هـ 16 ديسمبر 2011 العدد 12071
  • جريدة الايام الفلسطينية تاريخ نشر المقال 27 تشرين الأول 2008

445 مشاهدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *